عبد الملك الثعالبي النيسابوري
49
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
الفقر ، وغرة الغرر ، وحديقة الزهر ، وخليفة المطر ، تلك حسنة انتشرت عن ضوئك ، وغمامة نشأت بنوئك . ونار قدحت بزندك . وصفيحة فضل طبعت على نقدك ، وإنها لقصيدة ولدنا أبي معمر ، عمره اللّه تعالى ما اختار ، وعمر به الرباع والديار . خطت بأقدام الإجادة ، وقطعت مسافة الإصابة ، وسعت إلى كعبة القبول ، وحلت حرم الأمن خير الحلول . تلبي وقد تعرت من لباس التعمل ، وتجردت عن عطاف التبذل . فلم تدع منسكا من البر إلا قضته ، ولا مشعرا من الفضل إلا عمرته . ولا معرفا من العلم إلى شهدته ، ولا محصبا من الفهم إلا حضرته . واجتمعنا حولها وإنا لأعداد جمة ، وفينا واحد يقال إنه أمه ، كأنا عديد الموسم يعظمون الشعائر . ويعلقون الستائر . ويحتضنون الملتزم ، ويلثمون المستلم . وهذا الكتاب يرد عليكم بالخبر أسرع من اللمح البارق ، نعم ومن اللمع الخاطف ، وأخف من سابق الحجيج وإن كان المثل الأعلى لبيت اللّه العتيق . فأحمد اللّه إذ قرن فضل فتاك بفضلك ، وجعل فرعك كأصلك ، وأنبت غصنك على شجرك ، واشتق هلالك من قمرك ، وأراك من ظهرك ، ومن يحذو على نجرك « 1 » ، ويصل فخره بفخرك ، ويشيد من بناء الدراية ما أسست ، ويسقي من شجر الرواية ما غرست . قال مؤلف الكتاب : فمن غرر شعر أبي معمر قوله من قصيدة الصاحب [ من الخفيف ] : ما عهدت القضيب بالحقف ولا * البدر للتّمام استسرا « 2 » حبذا الطارق الذي زار وهنا * فأعاد الظلام إذ زار فجرا ثمل العطف وهو ما نال خمرا * عطر الحبيب وهو ما مسّ عطرا
--> ( 1 ) النّجر : الأصل . ( 2 ) الحقف : الرمل الكثير ، واستسرّا : من السّرار : وهو : الاختفاء ، أي عندما يكون القمر في المحاق .